محمد المختار ولد أباه
42
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
2 - الإمام علي بن أبي طالب يضع أصول النحو : لقد تربى الإمام علي بن أبي طالب في مدرسة القرآن والبلاغة النبوية ، وأكب نزول القرآن وعرف فيم نزل ، وأين نزل ، وكيف نزل ، واهتم بجمعه بعد التحاق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالرفيق الأعلى ، فكان له مصحفه وقراءته . وملازمته للرسول عليه الصلاة والسّلام جعلته يستقي منابع اللغة ممن أوتي جوامع الكلم ، وكان حريصا على معناها ومبناها مع أنه كان من كتّاب النبي عليه الصلاة والسّلام المقربين . هذا ولقد اشتهر أبو الحسن ، من ضمن ما اشتهر به ، بعبقرية فذة جعلته متفوقا في حل المعضلات ، حتى ضرب به المثل ، وهو : « قضية ولا أبا حسن لها » ، فلا غرابة إذن أن يعمل فكره في حفظ لغة القرآن ، واختراع صناعة جديدة تحفظ لغة الذكر ، وتسهل على المسلمين تقويم ألسنتهم وأقلامهم ، فكان من حسناته العظام أن فتح الطريق لتأسيس هذا العلم . ومما يعزى لأبي الأسود قوله : « دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه فرأيته مطرقا مفكرا فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ فقال إني سمعت ببلدكم هذا لحنا ، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية ، فقلت إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين فقد أحييتنا ، وبقيت فينا هذه اللغة ، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الكلام كله اسم وفعل وحرف ، والاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ، ثم قال لي تتبعه ، وزد فيه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة : ظاهر ، ومضمر ، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر فجمعته ضمن أشياء وعرضتها عليه وكان من ذلك حروف النصب فكان منها إنّ ، وليت ، ولعلّ ، ولم أذكر لكنّ ، فقال لي لم تركتها ، فقلت لم أحسبها منها قال فزدها فيها . وكلما وضعت من أبواب النحو عرضته عليه رضي اللّه عنه ، إلى أن جعلت ما فيه الكفاية ، فقال ما أحسن هذا النحو الذي نحوته » « 1 » .
--> ( 1 ) القفطي : إنباه الرواة ، ج 1 ص 39 .